يتم التحميل...

إحياء ذكرى عاشوراء الأليمة هو شعيرة إسلامية

محطات من محرم الحرام

إحياء ذكرى عاشوراء الأليمة هو شعيرة إسلامية

لا ينبغي أن نعتبر إقامة العزاء على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) شعيرة شيعية. فأين ما جرى الحديث عن هذه الشعائر بأدبيات شيعية صرفة، لابدّ أن تقوموا بتوعية وتلفتوا أفكار جميع المسلمين إلى هذه الشعائر الممتازة، يعني إقامة العزاء على الشهداء وسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام).

إن عدو الإمام الحسين (عليه السلام) قد مارس العداء تجاه السنّة أكثر من الشيعة. لقد قتل يزيد من السنّة أكثر من الشيعة.

أساسا إنّ أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) لم يخض معركة كربلاء كملحمة شيعيّة، وكان عدوّه يزيد عدوا للسنّة أكثر من أن يكون عدوّا للشيعة، إذ باشر بقتل السنّة أكثر من قتل الشيعة.

إن كنّا نقصد من الشيعة، أولئك الذين يؤمنون بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويرونه خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلا فصل، فأمثال هؤلاء كانوا قليلين جدا يومذاك وقد استشهد كثير منهم في واقعة كربلاء، فلماذا هجم يزيد على المدينة وأحدث جريمة واقعة الحرّة هناك؟!
 
إن جلاوزة يزيد قد أبادوا أهل السنّة لا الشيعة في مجزرة الحرّة:
لقد قام جلاوزة يزيد في معركة الحرّة بقتل ذريع في المدينة، فإذا أردنا أن نتحدث بأدبيات اليوم، لابدّ أن نقول بأنهم أبادوا أهل السنّة، أي نفس هؤلاء الذين لم ينصروا الإمام الحسين (عليه السلام). إن جلاوزة يزيد في واقعة الحرّة، قد استباحوا أموال أهل المدينة ونفوسهم وأعراضهم ثلاثة أيام، من قبيل ما يمارسه التكفيريون اليوم.

إذا رأينا الحسين (عليه السلام) قد ثار ضدّ يزيد، فلأنّه كانت حقيقة يزيد هي ما عبّر عنها في شعره المعروف: «لَعِبَتْ‏ هَاشِمُ بِالْمُلْکِ‏ فَلا خَبَرٌ جَاءَ وَلَا وَحْیٌ‏ نَزَل‏»([1]) فيا ترى أيّ سنّي بصير يستطيع أن يتقبل مثل هذا الكلام من يزيد، ويعتبره مسلما بعد هذا؟!

إن قضية كربلاء لم تكن قضية شيعية/سنية. إن كان يزيد عدوّا للحسين (عليه السلام) فإنه جنى في حق أهل السنّة أكثر من الشيعة. وإذا كان جلاوزة يزيد بالواسطة قد قتلوا الحسين (عليه السلام) في كربلاء، فقد ارتكب جلاوزته المباشرون في المدينة جرائم أكثر. يعني إذا أردنا أن نقارن بين نوعية الجرائم، نجد جرائمهم أبشع مما ارتكبه عمر بن سعد وجنوده في كربلاء.
 
عاشوراء محور الاتحاد بين الشيعة والسنّة:
النقطة الأخرى هي أن الإمام الحسين (عليه السلام) قد فدى نفسه من أجل الإسلام ليبقى أصل الإسلام. ومن جانب آخر نجد في أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) من لم يكن شيعيا بالمعنى المتداول عليه اليوم، فضلا عن بعض أصحابه مثل «وهب» الذي لم يكن مسلما أصلا ولكنه نصر الإمام الحسين (عليه السلام) وأسلم في هذا الطريق. إن بعض أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) من قبيل زهير أو الحرّ وبغضّ النظر عن عقيدتهم في آخر ساعات عمرهم وحين الشهادة، لم يكونوا شيعة بالمعنى الذي نقصده اليوم ولم يكونوا مؤمنين بخلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) بلا فصل.

فلا نحن الشيعة من حقّنا أن نحتكر الحسين (عليه السلام). لأنفسنا وحسب، ولا إخواننا من أهل السنّة ينبغي لهم أن يتناسوا قضية الحسين (عليه السلام). ولا يعتبروها قضيتهم. طبعا هذا ما يتعلّق بسلوكنا أيضا. إن عاشوراء هي محور الاتحاد بين الشيعة والسنّة فلابدّ أن نقيم عزاء الحسين (عليه السلام) في أجواء مفعمة بالأخوّة الإسلاميّة.

طبعا لا شك في أنّ الشيعة يفتخرون بإمامهم الثالث، ولكن ليس الشيعة هم وحدهم الذين يفتخرون بالحسين (عليه السلام)، فإن الشافعي أحد فقهاء المذاهب الأربعة السنيّة له كلمات راقية جدّا في رثاء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). حتى أنه كان يندب للإمام الحسين (عليه السلام) بحرارة وحماس أكثر من بعض مراثينا وتعزياتنا.
 
ما زالت إقامة العزاء على الحسين (عليه السلام) شعيرة متعارفة بين الكثير من أهل السنّة:
إن أيادي الصهاينة والاستكبار هي التي جاءت تبحث عن نقاط الضعف في الأمّة الإسلاميّة لتقوّيها. فربّوا مدارس وتيّارات فكرية وعقائديّة تقتل مقيمي عزاء الحسين (عليه السلام). وإلّا فإلى يومنا هذا ما زالت إقامة العزاء على الحسين (عليه السلام) شعيرة متعارفة في كثير من أوساطنا السنّية في داخل البلد وخارجه.

ليس من الذوق السليم أن نعكس احتفالات أهالي كردستان السنّة في مناسبة ميلاد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ثم لا نبث مجالسهم الحسينيّة في يوم عاشوراء. في هذه الظروف التي نعيشها لابدّ أن ننظر إلى مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) وشعارات الحسين (عليه السلام) وخطبه بدقّة عالية جدّا. تقريبا لا تجدون كلمة للإمام الحسين (عليه السلام) في ثورته، بحيث يشير فيها إلى الحقائق والعقائد الخاصة بالشيعة. إن الإمام الحسين (عليه السلام) قد ناشد القوم في كربلاء بشكل متكرر أن: «أَلَسْتُ ابْنَ بِنْتِ نَبِیِّکُم»([2]) ولم يقل مرة ألست إمامكم الثالث! حتى لم يستشهد الإمام (عليه السلام) بقضيّة الغدير.

كانت عاشوراء ملحمة إسلامية، لا شيعيّة محضة. وكذلك في يومنا هذا عندما تتحدثون عن هذه الملحمة مع الصالحين والمنصفين من أهل العالم ومن جملتهم إخواننا أهل السنة، ستجدون تقبلهم وتفاعلهم معها. لذلك أنتم معنيّون في أن تعطوا لمراسيمكم ومجالسكم الحسينية صبغة ونكهة جديدة.
 
لقد استنصر الإمام الحسين (عليه السلام) حتى من لم يؤمن بإمامته وعصمته:
لنلقِ نظرة إلى معسكر أعداء الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء. إن بعض هؤلاء كانوا يجاهدون في جيش أمير المؤمنين (عليه السلام). وإذا بهم أصبحوا أعداء الإمام الحسين (عليه السلام)، فكانت الحدود الفاصلة بين الحق والباطل في كربلاء حدودا خاصة ومتميزة جدا. وكانت العقائد الحقيقية والرذائل والفضائل الرئيسية هي الفاصلة بين الجبهتين.

لقد استنصر أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) جميع الناس، حتى أولئك الذين لم يؤمنوا بإمامته وعصمته ولم يعترفوا له بما نعترف له من شأن ومنزلة. وبعضهم قد لبّى دعوته وبعضهم لم يلب. فعلى سبيل المثال كان «عبيد الله بن الحرَّ الجعفي» ممن لم يلبّ دعوة الإمام الحسين (عليه السلام) وندم بعد ذلك وبقي يبكي إلى آخر عمره.

والنموذج الآخر هو كتب مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) التي ألّفها علماء أهل السنّة. حتى أن بعض هذه الكتب تشتمل على روايات لا نقبلها ونعتبرها أنها صنيعة بعض الناس ممن أراد أن يكون محسوبا على الإمام الحسين (عليه السلام) ومنسوبا إليه. ولكن انظروا كيف كانت الأجواء على مرَ التاريخ بحيث يودّ الجميع أن يرتبطوا بشكل أو بآخر بالإمام الحسين (عليه السلام) ويُنسَبوا إليه.
 
لقد استنصر الإمام الحسين (عليه السلام) حتى من لم يؤمن بإمامته وعصمته:
فانظروا ما هو واجبنا وتكليفنا اليوم تجاه مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)؟ يجب علينا أن نوصل صوت عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أسماع أهل العالم جميعا. فليس من الصحيح أن نعتبر إقامة العزاء مراسيم شيعية وحسب.
أدعوكم أيها الشباب المثقفون أن تخصصوا جزء من إقامة العزاء على الحسين ونشاطكم الحسيني بالعمل في سبيل ترويج ثقافة إقامة العزاء بين جميع المسلمين. وأينما وجدتم شيئا من هذه المجالس والشعائر، فادعموها وارفعوا راياتها، فلعل ثوابه أعظم من حضوركم في مجالس الشيعة الذين لا يختلفون معكم في رأي أو عقيدة.
 
إن البكاء على الشهيد من سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله):
بغض النظر عن الحقائق التاريخية، عندما نرجع إلى الأسس النظرية لإقامة العزاء، نجد في سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه كان يبكي على الشهيد، كما أنه كان يبكي على حمزة سيد الشهداء. حتى جاء في أحد مصادر أهل السنة أنه «لَمَّا رَأَى النبي حَمْزَةَ قَتِیلًا بَکَى، فَلَمَّا رَأَى مَا مُثِّلَ بِهِ شَهَقَ»([3]) إن طريقة بكائكم هذا في المجالس الحسينية، التي يصاحبها العويل والضجيج، هي في الواقع سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث كان يبكي على مثل حمزة أشدّ البكاء؛ «مَا رَأَیْنَا رَسُولَ اللَّهِ بَاکِیاً أَشَدُّ مِنْ بُکَائِهِ عَلِیِّ حَمْزَةَ» وأيضا روي أنه «وَضَعَهُ فِی القبلة، ثُمَّ وَقَفَ عَلِی جَنَازَتَهُ وَانْتَحَبَ، حتّی بَلَغَ بِهِ الْغَشْیُ»([4]).
 
سماحة الشيخ علي رضا بناهيان


([1]) الاحتجاج/307/2
([2]) اعلام الوری/ص241
([3]) السيرة الحلبيّة/2/247
([4]) ذخائر العقبي/181

مقالات مرتبطة