يتم التحميل...

التوحيد على صعيد النظرة العامّة للكون والحياة

إضاءات إسلامية

مال الذي يعنيه التوحيد ضمن هذا البعد؟ هو يعني وحدة جميع العالم وانسجامه وائتلاف أجزائه وعناصره، من أنّ مبدأ الخلقة واحد، وجميع المخلوقات من ذلك المبدأ الواحد،

مال الذي يعنيه التوحيد ضمن هذا البعد؟ هو يعني وحدة جميع العالم وانسجامه وائتلاف أجزائه وعناصره، من أنّ مبدأ الخلقة واحد، وجميع المخلوقات من ذلك المبدأ الواحد، وليس هناك آلهة متعدّدة في خلق العالم وإدارته، وهذا يستتبع وحدة جميع أجزاء العالم في التكوين والاتّجاه.

يقول الله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾[1]، ﴿أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾[2].

إنّ العالم المتحرّك – انطلاقًا من هذا التصوّر – قافلة متّصلة الأجزاء، كاتّصال حلقات السلسلة الواحدة، وكارتباط أجزاء الجهاز الواحد العاملة في اتّجاه واحد. وكلّ جزء من هذه الأجزاء، يكتسب معناه الواقعيّ ويتّضح واجبه من خلال فهم مكانته في مجموع هذا التركيب. كلّ الأجزاء، يعاون بعضها الآخر ويكمّل بعضها الآخر في هذا السير التكامليّ الحثيث، وكلّ واحد منها آلة ضروريّة في هذه المجموعة. وكلّ توقّف وفساد وركود وانحراف في أيّ جزء من هذه الأجزاء يؤدّي إلى بطء وفساد وانحراف في جميع الجهاز. وبهذا الشكل، ترتبط جميع الذرّات مع بعضها برباطٍ معنويٍّ عميق.

وهذا يعني أنّ للعالم هدفًا يقوم على أساس حساب وانضباط دقيق، وأنّ لكلّ واحد من الأجزاء روحًا ومعنى؛ فالعالم له خالق حكيم. وبناءً على هذا، فإنّ لأصل الوجود كما لكثير من أجزائه، حكمة وغاية واتّجاه وهدف، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ﴾[3].

والعالم بمجموعه، انطلاقًا من هذا التصوّر، ليس بالحائر العابث، بل هو مثل ماكينة مصنوعة ومرصودة للعمل من أجل هدف معيّن. فيمكن السؤال عن هدفه، ولا يمكن السؤال عن أصل هذا الهدف. إنّه قصيدة ذات مضمون ينبغي التأمّل والتدبّر فيها لفهم مضمونها، ولا يمكن إطلاقًا اعتبارها صوتًا منطلقًا من حركة عشوائيّة. بل أبعد من ذلك، يمكن اعتبار خضوع كلّ عناصر العالم وكلّ الأشياء لله.

فلا يوجد بين هذه المجموعة عنصر شاذّ متمرّد؛ كلّ قوانين الطبيعة وكلّ ما يخضع لسيطرة هذه القوانين منصاع لله وعبد له. فوجود القوانين التكوينيّة والطبيعيّة على ساحة الكون لا يعني نفي ربوبيّة الله ومبدئيّته. يقول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾[4]، ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾[5]، وأيضًا ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[6].
 
روح التوحيد رفض عبوديّة غير الله – بتصرّف يسير، الإمام السيّد علي الخامنئي (دام ظله)


[1] سورة الملك، الآية 3.
[2] سورة الروم، الآية 8.
[3] سورة الأنبياء، الآية 16.
[4] سورة مريم، الآية 93.
[5] سورة البقرة، الآية 116.
[6] سورة الزمر، الآية 67.

مقالات مرتبطة