يتم التحميل...

الزهد الإسلامي وَصْفَةٌ ثورية

إضاءات إسلامية

لقد اهتمّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة بكافّة المواضيع الإسلاميّة الهامّة كما أشرت، إلّا أنّه اهتمّ بشكل خاصّ بعدد من المواضيع، وتطرّق إليها بشكل أوضح وأكمل وأكثر تفصيلًا. من جملة هذه المواضيع،

لقد اهتمّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة بكافّة المواضيع الإسلاميّة الهامّة كما أشرت، إلّا أنّه اهتمّ بشكل خاصّ بعدد من المواضيع، وتطرّق إليها بشكل أوضح وأكمل وأكثر تفصيلًا. من جملة هذه المواضيع، موضوع الدنيا والزهد فيها وعدم الاهتمام بحطامها ومتاعها، وهو موضوع لا يمكن إلّا أن يبرز أمامكم إذا فتحتم نهج البلاغة وقرأتم عدّة صفحات منه. والإمام عليّ (عليه السلام) قدّم بيانات عجيبة وخالدة وقاطعة حول الدنيا وتحقيرها.

الزهد الإسلاميّ هو خصلة وصفة ثوريّة، وترك الدنيا لا يعني في الإسلام الابتعاد عن الناس والمجتمع على الإطلاق، ولا يقصد منه عدم العمل وعدم السعي أو نفي الجهد، لا بل إنّ أمير المؤمنين الذي تحدّث حول ترك الدنيا والزهد بهذا المقدار، كان أكثر الناس اشتغالًا وعملًا، وأكثرهم ارتباطًا بالميادين الاجتماعيّة والعمل الاجتماعيّ، سواء كان ذلك قبل خلافته أو أثنائها. كان (عليه السلام) دائم الحضور بين الناس في الحرب والجهاد، والتعليم والتربيّة، وكان بينهم في القضاء والحكم والمرافعات.

والخلاصة أنّه كان بينهم على امتداد ثلاثين سنةً بعد رحلة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) حتّى شهادته. تحدّثت مرارًا بهذا الأمر، وهو أنّه عندما يقال إنّ عليًّا جلس في بيته لخمس وعشرين سنةً، فهذا تعبير خاطئ، لأنّه لم يكن جليس المنزل أبدًا طوال هذه السنوات. كان عليه السلام في الميدان، وكان يعدّ من المستشارين والمسؤولين الحكوميّين الكبار. كان الإمام (عليه السلام) ملجأ الناس والخلفاء، يرجعون إليه ويستفيدون منه. كان يفسر القرآن ويعلّم الناس. كان بحقّ في وسط معترك الحياة، لم يبتعد في أيّ وقت عن السياسة والمجتمع والنشاط، إذ لا ينبغي للذين لم تُفتح لهم أبواب دخول الساحات أن يجعلوا هذا مبرّرًا لابتعادهم.

بناءً على ما تقدّم، فأمير المؤمنين الذي تحدّث عن الدنيا وتركها والزهد، كان أكثر الناس عملًا وحركةً وأكثرهم وجودًا في الساحة. إذًا الزهد لا يعني ترك النشاط والابتعاد عن المجتمع والناس، فما هو معناه إذًا؟ الزهد يعني عدم الغرق في الشهوات والأهواء الدنيويّة، وعدم الاكتراث باللذائذ الدنيويّة. إنّه يعني عدم التضحية بالأهداف الثوريّة والأصيلة والبنّاءة في الإسلام وسحقها تحت أقدام السلطويّين أو الدوافع الأنانيّة والدنيويّة. ولقد كانت هذه المحنة الكبيرة في المجتمع الإسلاميّ في زمن وصل فيه أمير المؤمنين إلى الحكومة والخلافة، لذلك ركّز الإمام في نهج البلاغة على هذا الأمر13/2/59.

لذلك إنّ غرضنا وهدفنا هو عدم التعلّق بالدنيا حيث إنّ عددًا كبيرًا من مشاكلنا يعود إلى تعلّقنا بها. وسواء كنت مسؤولًا في الحكومة أو عالمًا دينيًّا عليّ أن أكون يقظًا، وبالأخصّ نحن الذين نعدّ من الصنفَين، وذلك لخصوصيّات عندنا.

في وقت من الأوقات، كان يُقال الويل لمن جمع الاثنين، مسؤول في الدولة، وعالم دين. هؤلاء مشكلاتهم أكثر ومسؤوليّتهم أثقل، وتوقّع الناس منهم حقّ وفي محلّه، وهو أكثر أيضًا. والله سيسأل هؤلاء أيضًا أكثر من غيرهم لأنّ تأثير عملهم أكبر. علينا الانتباه جيّدًا، والآخرون أيضًا، وأنتم كذلك. الجميع ينبغي أن يكونوا منتبهين حتّى لا يقعوا في فخّ مشاغل العيش وتعقيداته وحتّى لا يغرقوا في الترف، عليهم أن يطلبوا من زينة الدنيا مقدار ما أحلّه الله تعالى. طبعًا لا إشكال في ﴿الْمَالُ وَالبَنُوْنَ زِيْنَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[1]، إذ لا إشكال في المال أو الأبناء أو المقام والعناوين، لكنّ الاستغراق فيها وجعلها الأساس والهدف والتوجّه وحصر مصالح العيش ومسؤوليّاته فيها يؤدّي إلى الضرر15/12/77.

لهذا السبب، ما يجب أن يُخاف منه كثيرًا اليوم هو "التكالب على الدنيا"، وعلى حطامها. و"التكالب"الملحق 89 تعبير عميق جدًّا، ومثَله أن يتهارش كلبان على جيفة، فلنعمل قدر المستطاع لتكون هذه الجيف بعيدةً عن البيئة التي تعيش فيها. ففي النهاية، شباب الأمس الذين كانوا يناضلون ويعملون، كانوا أشخاصًا جيّدين نزلوا إلى الميدان بإخلاص ونشاط، وكانوا حفاة الأقدام في الميدان. أمّا الآن فقد صرنا أشخاصًا مسنّين، عجزة، وأصبحت لحانا بيضاء ودخلنا جيلًا آخر. الآن نزل أبناؤنا إلى الميدان، فينبغي أن نسعى ليكونوا  كما كنّا بالأمس، وأن نعمل كي ينظروا إلى الدنيا بتلك النظرة.

الخطر الكبير هو التكالب على الدنيا، وهو ما يضعّف بشدّة العدالة الاجتماعيّة في المجتمع، ويجعل الطبقات الضعيفة عاجزةً عن النموّ والتطوّر، ولا يسمح للمستضعفين والحفاة الذين هم الجنود الحقيقيّون للإسلام أن يبقوا في الساحة. فإذا ابتُليَ الخواصّ بالتكالب على الدنيا، فستظهر هذه المشاكل، وعندما يشعر الفقراء والمستضعفون والحفاة في البلد أنّ الخواصّ مشغولون بالدنيا وبأنفسهم وأقاربهم، وعندما يشاهدوننا لا سمح الله لا نتأثر بذلك، أو نكون معاذ الله من جملة المشتغلين بالدنيا، عند ذلك سيفقدون إيمانهم، أي يحصل العدوّ وبسهولة على ما يريده بيدينا نحن! لذا علينا الانتباه جيّدًا والاعتماد على الله تعالى وطلب العون والدعم منه، هذه هي المسألة وهذا ملخّصنا حول الثورة اليوم30/2/70.
 
الهواجس  الثقافيّة، شرح مَزجيّ لإحدى الخطب المحوريّة التي تفضّل بها الإمام الخامنئي حفظه الله عام 1373هـ.ش. بالاستفادة من خطب أخرى له في تواريخ مختلفة


[1] سور الكهف، الآية 46.

مقالات مرتبطة