19 كانون الثاني 2021 م الموافق لـ 05 جمادى الثانية 1442 هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: الإمام المهدي (عج)

الامام المهدي الامام الثاني عشر



المصلح العالمى العظيم

1- نهاية اللّيلة الظّلماء

عندما نلقي نظرة على أوضاعنا الحاضرة ونلاحظ تصاعد نسبة الجرائم وحوادث القتل والحروب وإراقة الدّماء والمصادمات والمنازعات الدولية واتساع نطاق المفاسد الاخلاقية باستمرار، يبرز في ذهننا هذا السؤال: هل سيستمر الوضع على هذه الحال؟ وهل يزداد انتشار هذه الجرائم والمفاسد حتى تجر البشرية الى حرب دائمية تهلك الحرث والنسل، أم أنَّ الانحرافات العقائدية والمفاسد الاخلاقية، كمستنقع عفن، سيبتلع الانسانية ابتلاعاً...

أم أنَّ هناك بصيص ضوء من أمل في النجاة والاصلاح؟

الجواب الأول هو الذي يقول به المتشائمون والماديون، وهو أنَّ مستقبل العالم مظلم، ولايخلو كل زمان من احتمال الخطر.

أمّا الذين يؤمنون بمبادىء الأديان السماوية، وخاصة المسلمون، والشيعة منهم على الاخص، فيجيبون بجواب آخر عن هذا السؤال، فيقولون:

إنَّ وراء هذه الليلة الحالكة السواد صبح أمل مشرق، وإن هذه السحب الدّاكنة، وهذه الأعاصير المهلكة والسيول المدمرة سوف تزول في النهاية، وتسطع الشمس في سماء صافية وجو صحو.

إنَّ هذه الدّوامات المخوفة لا تبقى في طريقنا دائماً، وإنَّ في الأفق القريب دلائل على وجود ساحل النجاة يطالع الناظرين.

إنَّ العالم ينتظر مصلحاً عظيماً يغير بثورته وجه العالم لصالح الحق والعدالة.

وبالطبع يطلق اتباع كل دين إسماً خاصاً على هذا المصلح المنتظر، مصداقاً لقول الشاعر:

عبارتنا شتى وحُسنك واحد   وكُل الى ذاك الجمال يُشير


2- الفطرة وظهور المصلح العظيم


إنَّ الالهامات الباطنية، التي تكون أمواجها أقوى أحياناً من أحكام العقل، لا تقصر على هدايتنا الى الله فقط، بل هي قادرة على أنْ تكون دليلنا في جميع معتقداتنا الدّينية بما فيها هذه المسألة أيضاً. ودلائل ذلك هي:

أوّلاً: الرغبة العامّة في العدالة العالمية، فالناس في العالم كلّه، على ما بينهم من اختلاف يحبّون بلا استثناء، السلام والعدالة. إنَّنا جميعاً ننادي بهذا ونجاهد في سبيله ونطلب العدالة والسلام العالميين بكل وجودنا.

وليس هناك دليل أفضل من أنَّ انتظار ظهور هذا المصلح العظيم إنَّما هو فطري، وذلك لأنَّ أي مطلب يريده الناس كافة دليل على فطريته، فتأمل!

كل حبّ أصيل وفطري يحكي عن وجود محبوب خارجي وجذاب، وإلاّ كيف يمكن أنْ يخلق الله هذا التعطش في داخل الانسان دون أنْ يخلق في خارجه الينبوع الذي يصبو نحوه ليرتوي منه؟

لهذا نقول إنَّ فطرة الانسان وطبيعته التي تبحث عن العدالة تصرخ بأعلى صوتها إنَّ الاسلام والعدالة سوف يسودان العالم كله في نهاية المطاف، وإنَّ مظاهر الظلم والجور والانانية سوف تزول، وإنَّ البشرية ستتوحد في دولة واحدة وتعيش تحت راية واحدة في جو من التفاهم والطهارة.

ثانياً: إنَّ الاديان والمذاهب عموماً تنتظر مصلحاً عالمياً كبيراً. إنّك تكاد تجد في جميع الاديان فصلاً يحدثك عن هذا الأمر إنَّ الاعتقاد بظهور منج عظيم، يكون بلسماً لجراح البشرية المؤلمة، لا يقتصر على المسلمين، بل إنَّ هناك مستندات وأدلة تؤكد كونه اعتقاداً عاماً وقديماً آمنت به الأقوام والأديان في الشرق وفي الغرب، إلاّ أنَّ الاسلام، لكونه الدين الكامل، يؤكد هذا الأمر توكيداً أكبر.

ففي كتاب "زند" من كتب الزرادشتيين المعروفة، يرد ذكر الصراع الدائم بين اتباع الله واتباع الشيطان، ثم يقول:

"بعد ذلك ينتصر إلالهيون على الشيطانيين الذين ينقرضون... وإنَّ عالم الوجود ينال سعادته الأصلية ويجلس ابن آدم على كرسي حسن الحظ..."

وفي كتاب "جاماسب نامه" لزرادشت تقرأ مايلي: "يخرج رجل من أرض التازيين العرب، عظيم الرأس، عظيم الجسد، عظيم الساق، على دين جدّه، في جيش كثير... ويملأ الارض عدلا".

وجاء في كتاب "وشن جوك" من كتب الهنود الصينيين: "وأخيراً ترجع الدنيا الى رجل يحب الله وهو من عباده المخلصين".

ونقرأ في كتاب للهنود اسمه "باسك":

"دول العالم ينتهي الى ملك عادل في آخر الزمان، يكون رائداً للملائكة والجن وبني آدم، ويكون الحق معه، ويكون بيده كل كنوز البحار والأرضين والجبال، يخبر عمّا في السماء والارض، ولا ترى الارض رجلاً أعظم منه".

وفي "مزامير" داود من كتاب "العهد القديم" (التوراة وما ألحق به) نقرأ:

"يقطع دابر الأشرار، أمّا المتوكلون على الله فسوف يرثون الارض".

"والصديقون يرثون الارض ويسكنونها دائماً".

وهناك كلام يشبه هذا في كتاب "اشعيا النبي" من كتب التوراة.

وفي الفصل 24 من انجيل متى نقرأ:

"كالبرق يخرج من المشرق ويكون ظاهراً حتى المغرب. ابن الانسان سيكون كذلك أيضاً".

وفي الفصل 12 من انجيل لوقا نقرأ:

"شدوا احزمتكم، واشعلوا مصابيحكم، وكونوا كمن ينتظر سيده، حتى إذا ما جاء في أي وقت وطرق الباب تسرعون لفتحه"!

جاء في كتاب "علائم الظهور":

"في كتب الصينيين القدامى، وفي معتقدات الهنود، وعند الاهالي الاسكندنافيين، وحتى عند المصريين القدامى وأهالي المكسيك وأمثالهم، يسود الاعتقاد بظهور مصلح عالمي".


3- الأدلة العقلية


أ - نستخلص من نظام الخلق أنَّ البشر يجب في النهاية أنْ يخضعوا لقانون العدالة ويستسلموا للنظم العادلة المصلحة.

وذلك لأنَّ عالم الوجود، بالقدر الذى نلاحظه، عبارة عن مجموعة من النظم. إنَّ وجود هذه القوانين المنظمة التي تحكم العالم بأسره لدليل على وحدة هذا النظام وترابطه.

وتعتبر قضية النظام والقانون والمنهج والتخطيط من أهم مسائل هذا العالم الرئيسية والجادة. فابتداء من المنظومات الشمسية العظيمة حتى الذّرة التي يمكن أنْ توضع ملايين منها على رأس أبرة، كلها تخضع لنظام دقيق.

إنَّ مختلف أجهزة جسم الانسان، ابتداء من بناء الخلية العجيب حتى طريقة عمل الدماغ، وشبكة الاعصاب، والقلب والرئتين، كلها تتبع نظاماً دقيقاً وتعمل كما تعمل أجهزة الساعة الدقيقة، كما يعبر عن ذلك أحد العلماء، بحيث أنَّ أدق الحاسبات الالكترونية لا تكون شيئاً مذكوراً بجانبها.

فهل في هذا العالم الدقيق يمكن للانسان الذي هو جزء من كل أنْ يظهر بمظهر الرقعة المخالفة في اللون وفي التنظيم ليعيش فيه في حياة كلّها حرب واراقة دماء وظلم؟

وهل يمكن لحالة الظلم والفساد الاخلاقي والاجتماعي، التي تعتبر ضرباً من الفوضى وانعدام النظام، أنْ تسود المجتمع البشري حتى الأبد؟

النّتيجة هي أنَّ مشاهدة نظام الوجود تلفت نظرنا الى أنَّ المجتمع البشري لابدّ له في النهاية أن يطأطىء رأسه امام النظام والعدالة، وأنْ يعود مرّة اُخرى الى المسير الاصلي الذي خلق للسير فيه.


ب - مسيرة المجتمعات التكاملية. وهذه دليل آخر على مستقبل البشرية الواضح، إذ إنَّنا لايمكن أنْ ننكر أنَّ المجتمع البشري، منذ أنْ عرف نفسه، لم يتوقف في مرحلة معينة، بل كان دائم السير والتحرك الى الامام.

فمن حيث الجوانب المادية، المسكن واللباس والغذاء، وطرق النقل والمواصلات، والافكار التوحيدية، كان الانسان في وقت مايعيش في أبسط ظروفها. ولكنه الآن بلغ مرحلة تحير العقول وتعشي العيون، ولاشك أنَّ هذا سوف يواصل حركته الصعودية.

أمَّا من حيث العلوم والثقافات فقد كان الانسان يسير سيراً تصاعدياً أيضاً فهو في كل يوم يكتشف شيئاً جديداً ويفتح فتحاً جديداً.

إنَّ هذا "القانون التكاملي" سيشمل في النهاية الجوانب المعنوية والاخلاقية والاجتماعية أيضاً، ويتقدم بالانسان نحو قانون عادل وسلام عادل ثابت، وفضائل اخلاقية ومعنوية.

إنَّ ما نراه اليوم من تفشي المفاسد الاخلاقية وتفاقمها، إنَّما هو وسيلة تمهد الطريق لانضاج ثورة تكاملية شاملة. لانقول طبعاً إنَّ علينا تشجيع الفساد، ولكننا نقول إنَّ الفساد إذا جاوز الحد أدى الى ثورة أخلاقية. فعندما يصل الانسان الى طرق مسدودة ويجد عواقب غير محمودة ناشئة من آثامه، وعندما يرتطم رأسه بالصخور، وتبلغ روحه التراقي عندئذ يكون في الاقل على أهبة الاستعداد لتقبل المبادىء التي يعرضها عليه القائد الالهي.

القرآن وظهور المهدى عجل الله تعالى فرجه الشريف

في كتابنا السماوي العظيم آيات كثيرة تبشر بهذا الظهور العظيم، نكتفي بواحدة منها فقط.

ففي الآية 55 من سورة "النور" نقرأ: ﴿وَعَدَ اللهُ الّذينَ آمَنُوا مِنْكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الاَرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الّذينَ مِنْ قَبْلِهِم ....

وتبين هذه الآية بجلاء أنَّ الحكم على الارض سيخرج في النهاية من أيدي الجبارين والظالمين، وسيكون الحكم بيد المؤمنين الصالحين.

وفي اثر الآية المذكورة والوعد الذي فيها، يعد الله ثلاثة وعود اُخرى:

﴿... وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِيْنَهُم الّذي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِم أَمَناً يَعْبُدُونَنِي لايُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً.

وفي تفسير هذه الآية قال الامام علي بن الحسين عليه السلام:

"هم والله شيعتنا يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منّا وهو مهدي هذه الأُمّة".1

المهدي في كتب الحديث

إنَّ الأحاديث التي تشير الى الحكومة العالمية القائمة على السلام والعدل، والتي يؤسسها أحد أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله اسمه "المهدي"، أحاديث كثيرة وردت في كتب الشيعة والسنة، وهي من الكثرة بحيث تعدت حدود التواتر أيضاً.

أمّا الكلام على أنَّه هو الامام الثّاني عشر، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله والتاسع من أولاد الامام الحسين عليه السلام، وأنَّه ابن الامام الحسن العسكري عليه السلام فهو كثير في المصادر الشيعية.

فمن حيث القسم الاول، أي التواتر الوارد في كتب أهل السنة في أحاديث ظهور المهدي2، يكفي أنْ نقول أنَّ علماء أهل السنة يشيرون لذلك صراحة الى الحد الذي نقرأ في الرسالة التي اصدرتها موخراً "رابطة العالم الاسلامي" وهو أكبر مركز ديني في الحجاز مايلي:

"أنّه آخر الخلفاء الراشدين الاثني عشر الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وآله في أحاديث صحاح، والاحاديث عن المهدي نقلت عن كثير من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله".

وبعد ذكر اسماء عشرين من الصحابة الذين نقلوا أحاديث النبي صلى الله عليه وآله عن المهدي، تستطرد الرسالة قائلة:

"وهناك آخرون كثيرون نقلوا هذه الاحاديث وبعض علماء أهل السنة ألفوا الكتب الخاصة في الاخبار الواردة عن المهدي، منهم ابو نعيم الاصفهاني، وابن حجر الهيثمي، والشوكاني، وادريس المغربي، وأبو العباس بن عبد المؤمن".

ثم تضيف بعد ذلك:

"جمع من علماء أهل السنة القدامى والمحدثين يصرحون بأنّ الاخبار عن المهدي متواترة".

بعد ذكر أسماء عدد من هؤلاء تختتم الرسالة كلامها بالقول: "أعلن فريق من الحفاظ والمحدثين أنَّ أخبار المهدى فيها الصحيح وفيها الحسن، وهي في المجموع من المتواتر قطعاً، وأنَّ الاعتقاد بقيام المهدي صحيح وواجب، وهذا من عقائد أهل السنة والجماعة المسلم بها، ولا ينكره إلاّ كل جاهل وصاحب بدعة".

أمَّا أحاديث الشيعة

يكفي هنا أنْ نعلم أنَّ هناك المئات من الاحاديث بهذا الشأن عن رواة مختلفين، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن الأئمة عليهم السلام بما يتجاوز حد التواتر، وهو عند الشيعة من ضروريات الدين، بحيث أنَّه لا يمكن لاحد أنْ يعتنق المذهب الشيعي دون أن يطلع على عقيدتهم بظهور المهدي عليه السلام وخصائص ذلك وعلائم الظهور وكيفية حكومته ومناهجها المختلفة.

لقد أكبّ كبار علماء الشيعة منذ القرون الاولى حتى اليوم على كتابة الكتب العديدة بهذا الخصوص جمعوا فيها الأحاديث المتعلقة بالمهدي عجل الله تعالى فرجه.

إنَّنا هنا نكتفي بذكر بعض الاحاديث من باب المثال، تاركين لمن يريد الاستزادة أنْ يرجع الى كثير من الكتب المهمة التي ألفت في هذا الموضوع، منها كتاب "المهدي" تأليف العالم الكبير السيد صدر الدين الصدر.

قال رسول الاسلام صلى الله عليه وآله:

"لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهل بيتي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً".3

وفي حديث آخر عن الامام الصادق عليه السلام قال:

"إذا قام القائم حكم بالعدل وارتفع الجور في أيّامه وأمنت به السُبل وأخرجت الارض بركاتها ورد كل حق الى أهله... وحكم بين الناس بحكم داود وحكم محمد صلى الله عليه وآله فحينئذ تظهر الارض كنوزها وتبدي بركاتها ولا يجد الرجل منكم يومئذ موضعاً لصدقته ولبره لشمول الغنى جميع المؤمنين"!4

ملاحظة: نعلم أنَّه في زمان غيبة امام العصر أرواحنا فداه يستمر خط الامامة والولاية متمثلا في نواب الامام عليه السلام. وقد جاء بحث ذلك في كتاب "حكومت اسلامي" تحت عنوان "ولاية فقيه".

*سلسلة دروس في العقائد الاسلامية،آية الله مكارم الشيرازي . مؤسسة البعثة،ط2 ، ص203-215


1- تفسير مجمع البيان، الآية 55، من سورة (النور).
2- انظر سنن ابي داود 4:106-108، سنن الترمذي 4:505-506، الحاوي 2:58، كنز العمال 14:261، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: 94، البيان في أخبار صاحب الزمان، مطبوع مع كفاية الطالب: 476.
3- جاء هذا الحديث في اغلب كتب الشيعة واهل السنة.
4- بحار الانوار، ج 13، الطبعة القديمة.

25-07-2009 عدد القراءات 8929



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا