17 كانون الثاني 2021 م الموافق لـ 03 جمادى الثانية 1442 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: الحج

حقيقة تأريخية يسعى بعضهم إِلى طمس معالمها



من المتفق عليه بين جميع المؤرخين والمفسّرين تقريباً أنّه لما نزلت الآيات الأُولى من سورة براءة، وأُلْغَيَت العهود التي كانت بين المشركين والمسلمين، أمر النّبي أبا بكر أن يبلغ هذه الآيات في موسم الحج، ثمّ أخذها منه وأعطاها علياً عليه السلام ليقوم بتبليغها، فقرأها علي على الناس في موسم الحج. وبالرغم من اختلاف الرّوايات في جزئيات هذه القصة وجوانبها المتفرقة، إلاّ أن ذكر النقاط التالية يمكن أن يجلو لنا حقيقة ناصعة:

1- يروي أحمد بن حنبل- إمام أهل السنة المعروف- في مسنده عن ابن عباس، أنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسل فلاناً "المقصود بفلان هو أبو بكر كما سيتّضح ذلك بعدئذ" وأعطاه سورة التوبة ليبلغها الناس في موسم الحج، ثمّ أرسل عليّاً خلفه وأخذها منه وقال صلى الله عليه وآله وسلم "لا يذهب بها إلاّ رجل منّي وأنا منه".1

2- كما جاء في المسند ذاته عن أنس بن مالك، أنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسل سورة براءة مع أبي بكر ليبلغها، فلمّا وصل أبو بكر إلى ذي الحليفة- ويدعى بمسجد الشجرة أيضاً- وهو وعلى بُعد مسافة فرسخ عن المدينة تقريباً، قال النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يبلغها إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي" فبعث بها مع علي عليه السلام.2

3- وورد أيضاً في المسند نفسه- بإسناد آخر- عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّه لما بعثه النّبي ومعه براءة قال: يا رسول الله لست خطيباً، فقال النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا محيص عن ذلك، فإمّا أن أذهب بها أو تذهب بها، فقال علي: إذا كان ولابدّ فأنا أذهب بها. فقال له النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنطلق بها فإنّ الله يثبت لسانك ويهدي قلبك".3

4- وينقل النسائي- أحد كبار علماء السنة- في خصائصه، عن زيد بن سبيع،عن علي عليه السلام، أن النّبي أرسل أبا بكر بسورة براءة إِلى أهل مكّة، ثمّ بعث عليّاً خلفه ليأخذ الكتاب منه "يعني السورة" فلحقه في الطريق وأخذ الكتاب منه، فعاد أبو بكر حزيناً أسيفاً، وقال: يا رسول الله أنزل فيّ شيء؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا، إلاّ أنّي أمرت أن أبلغه أنا أو رجل من أهل بيتي".4

5- وفي سند آخر أيضاً، عن عبدالله بن أرقم، أنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر بسورة براءة، فلمّا سار وبلغ بعض الطريق بعث النّبي علياً فلحقه وأخذ منه السورة، فذهب بها علي إِلى مكّة، فرجع أبو بكر إِلى النّبي متأثراً فقال النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يؤدي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي".5

وقد صرحت روايات أُخرى أنّ النّبي أعطى ناقته علياً ليركبها ويأتي بها أهل مكّة فيبلغهم، فلمّا وصل منتصف الطريق سمع أبوبكر صوت ناقة رسول الله فعرفها.

وهذا النص- مع ما ورد آنفاً- يدل على أنّ الناقة كانت ناقة النّبي وقد أعطاها عليّاً، لأهمية ما أُمر به.

وقد روى هذا الحديث كثير من كتب أهل السنة مسنداً تارةً، ومرسلا تارةً أُخرى، وهو من الأحاديث المتفق عليها، ولا يطعن فيه أبداً.

وطبقاً لبعض الرّوايات الواردة عن أهل السنة أنّ أبا بكر لما صُرف عن إبلاغ سورة براءة، جعل أميراً على الحاج بمكّة.

هذا الأمر يثبت- بجلاء- فضيلة للإِمام علي(عليه السلام)، إلاّ أنّنا- ويا للأسف- نجد مثل هذه الأحاديث لا ينظر إليها بعين الإِنصاف والحق، إذ يسعى بعضهم إِلى محوها ونسيانها كليّاً، أو إلى التقليل من أهميتها وقيمتها بأساليب شتى ملتوية:

فيقوم بعض المفسّرين تارةً بتضعيف سند الحديث، كما في بعض الأحاديث الواردة عن حنش والسمّاك "كما فعله المفسّر صاحب تفسير المنار ".

مع أّن هذا الحديث ليس له طريق واحد أو طريقان، بل له طرق شتي في كتبهم المعتبرة.

ومن العجيب الغريب أن يوجهوا مثل الحديث آنف الذكر توجيهاً مثيراً، فيقولون: إنّما أعطى النّبي سورة براءة عليّاً، لأنّ العرب اعتادت عند إلغاء المواثيق أو العهود أن يمضي الشخص بنفسه أو يرسل أحداً من أهله.

مع أنّه ورد التصريح عن النّبي:

أوّلا: من طرق متعددة، أنّ جبرئيل أمره بأن يبلغ علي سورة براءة أو هكذا أُمرت!...

ثانياً: إنّنا نقرأ في بعض الأحاديث الواردة عن طرقهم أنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: ينبغي أن تبلغ سورة براءة، وإن لم تفعل فينبغي أن أبلغها أنا (مؤدي الحديث).
تُرى ألم يكن العباس عمّ النّبي أو أحد من أقارب النّبي موجوداً يومئذ بين المسلمين ! حتى يقول النّبي لعلي: إن لم تذهب فينبغي أن أذهب، لأنّه لا يبلغها عني إلاّ أنا أو رجل منّي؟!

ثالثاً: لم يذكروا دليلا لأصل هذا الموضوع، وهو أنّه كان من عادة العرب (كذا وكذا) وأكبر الظن أنّهم وجّهوا الحديث آنف الذكر وفق ميولهم ونزعاتهم!...

رابعاً: جاء في بعض الرّوايات المعتبرة أنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يذهب بها إلاّ رجل منّي وأنا منه" أو ما شابه ذلك.

وهذا التعبير يدل على أنّ النّبي كان يعدّ عليّاً كنفسه، ويعد نفسه كعلي أيضاً. وهذا المضمون تناولته آية المباهلة.

ونستنتج ممّا ذكرناه آنفاً أنّنا لو تركنا التعصب الأعمى والأحكام المسبقة جانباً، وَجدنا النّبي صلى الله عليه وآله وسلم بفعله هذا أبان أفضلية علي عليه السلام على جميع الصحابة (إنّه هذا إلاّ بلاغ).6


1- مسند أحمد بن حنبل، ج 1، ص 331، ط مصر.!
2- مسند أحمد بن حنبل، ج 3، ص 212.
3 - مسند أحمد بن حنبل، ج 1، ص 150.
4- الخصائص... للنسائي، ص 28.
5- المصدر السّابق.
6- الأمثل / الجزء الخامس / صفحة -521-523.

01-11-2011 عدد القراءات 6478



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا