4 كانون الأول 2020 م الموافق لـ 18 ربيع الثاني 1442 هـ
En FR

نور الأسبوع :: ربيع الأول

الناسُ ثلاثةٌ





عنِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: زَاهِدٌ، وَرَاغِبٌ، وَصَابِرٌ؛ فَأَمَّا الزَّاهِدُ فَلَا يَفْرَحُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الدُّنْيَا أَتَاهُ، وَلَا يَحْزَنُ عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا فَاتَهُ، وَأَمَّا الصَّابِرُ فَيَتَمَنَّاهَا بِقَلْبِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَ مِنْهَا شَيْئاً صَرَفَ عَنْهَا نَفْسَهُ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهَا، وَأَمَّا الرَّاغِبُ فَلَا يُبَالِي مِنْ حِلٍّ أَصَابَهَا أَمْ مِنْ حَرَامٍ».

وَرَدَ في الرواياتِ الكثيرُ من التعاليمِ التربويّةِ التي تنظِّمُ علاقةَ الإنسانِ بهذه الدنيا، فالإكثارُ مِن ذمِّه للتنبيهِ مِن مخاطِرِها وغرورِها، ولكنَّ الدنيا أيضاً هي محلُّ الرِّبحِ والتجارةِ لأولياءِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-، كما رُويَ عن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلامُ).

وفي الروايةِ أعلاه، تصنيفٌ للناسِ -بِحَسَبِ علاقتِهِم بهذه الدنيا- إلى أصنافٍ ثلاث:

1. أهلِ الزهد:
وهمُ الذين لا تعلُّقَ لهم بهذه الدنيا إطلاقاً، وقد صَرفوا رغبتَهم عنها، فلا يعيشون فرَحاً بما يصلُهم منها، ولا حُزْناً على ما لا يصلُهُم، وعنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «الزُّهْدُ مِفْتَاحُ بَابِ الْآخِرَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ النَّارِ، وَهُوَ تَرْكُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ يَشْغَلُكَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ غَيْرِ تَأَسُّفٍ عَلَى فَوْتِهَا، وَلَا إِعْجَابٍ فِي تَرْكِهَا، وَلَا انْتِظَارِ فَرَجٍ مِنْهَا، وَلَا طَلَبِ مَحْمَدَةٍ عَلَيْهَا، وَلَا غَرَضٍ لَهَا، بَلْ تَرَى فَوْتَهَا رَاحَةً، وَكَوْنَهَا آفَةً، وَتَكُونُ أَبَداً هَارِباً مِنَ الْآفَةِ، مُعْتَصِماً بِالرَّاحَةِ».

وقد رُوي عنه (عليه السلامُ) مفاتيحُ ثلاثٌ للزهد، وهيأن لا يَطُولَ أملُهُ في هذه الدنيا، ويشكُرَ اللهَ على نِعَمِه، ويتجنَّبَ محارِمَه: «أَيُّهَا النَّاسُ، الزَّهَادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ، وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ، وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِم».

2. أهلِ الصبر: وهو مَن يرغَبُ بهذه الدنيا ويتمنّاها، ولكنّه لا ينقادُ إلى ذلكَ، حذَراً من سوءِ العاقبةِ فيها، وهؤلاءِ أصحابُ الوَرَعِ عنِ المحارم؛ لذا وَرَدَ عنِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام): «الصَّبْرُ عَنِ الشَّهْوَةِ عِفَّةٌ، وَعَنِ الْغَضَبِ نَجْدَةٌ، وَعَنِ الْمَعْصِيَةِ وَرَعٌ»، وسوءُ العاقبةِ يتمثّلُ بالنارِ في الآخرةِ التي يضعُها أهلُ الصبرِ نَصْبَ أعيُنِهِم، فتردعُهُم عنِ المعاصي، فعن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالزُّهْدِ، وَالتَّرَقُّبِ. فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ، وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَات».

3. أهلِ الدنيا: وهمُ الراغبونَ بها، اللاهثون عليها، فلا يُبالون كانت مِن حلالٍ أو حرام، ويصفُهُم رسولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) في ما رُوي عنه: «يُحِبُّونَ جَمْعَ الْمَالِ مِمَّا حَلَّ وَحَرُمَ، وَمَنْعَهُ مِمَّا افْتُرِضَ وَوَجَبَ. إِنْ أَنْفَقُوا إِسْرَافاً وَبَذْراً، وَإِنْ أَمْسَكُوهُ بُخْلًا وَاحْتِكَاراً. أُولَئِكَ الَّذِينَ مَلَكَتِ الدُّنْيَا زِمَامَ قُلُوبِهِمْ حَتَّى أَوْرَدَتْهُمُ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ».

ويترتَّبُ على هذا التعلُّقِ بالدنيا صفاتٌ ذميمةٌ تورِثُهُم إيّاها محبّتُهُم للدنيا، ففي الحديثِ المرويِّ عنِ الإمامِ الصادق (عليه السلام): «فَمَنْ أَحَبَّهَا أَوْرَثَتْهُ الْكِبْرَ، وَمَنِ اسْتَحْسَنَهَا أَوْرَثَتْهُ الْحِرْصَ، وَمَنْ طَلَبَهَا أَوْرَثَتْهُ الطَّمَعَ، وَمَنْ مَدَحَهَا أَلْبَسَتْهُ الرِّيَاءَ، وَمَنْ أَرَادَهَا مَكَّنَتْهُ مِنَ الْعُجْبِ، وَمَنْ رَكَنَ إِلَيْهَا أَوْلَتْهُ الْغَفْلَة».

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين

28-10-2020 عدد القراءات 287



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا